حرب أم دبلوماسية؟ أربعة عقود من المواجهة الإيرانية الأمريكية على أعتاب قرار نهائي
بقلم: محمد علي سورة - ماجستير في العلوم السياسية
على مدى أكثر من أربعة عقود، تذبذبت العلاقات الإيرانية الأمريكية بين التوتر والردع ومحاولات دبلوماسية متقطعة. وبعد ثورة 1979 وقطع العلاقات الرسمية، نشأ انعدام ثقة عميق بين البلدين، تفاقم بسبب أزمة الرهائن والعقوبات الواسعة النطاق والمواجهات غير المباشرة في المنطقة ومع ذلك، لم تُفضِ هذه المواجهة قط إلى حرب مباشرة، وظلت حسابات الربح والخسارة تحول دون تجاوز عتبة الحرب.
وكانت أهم تجربة دبلوماسية ناجحة بين البلدين هي اتفاق العمل الشامل المشترك (الاتفاق النووي) عام 2015، الذي أثبت إمكانية التفاوض حتى في ذروة الخلافات. وجاء هذا الاتفاق ثمرة سنوات من المفاوضات المكثفة بين إيران ومجموعة 5+1، ونجح في تخفيف حدة التوتر لفترة محدودة. انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق عام 2018 وعودة العقوبات أدى إلى إضعاف هذا المسار، لكن حتى بعد ذلك، لجأ الطرفان إلى الضغط الاقتصادي والردع العسكري والمفاوضات غير المباشرة بدلاً من الحرب.
كما تلعب الجهات الفاعلة الإقليمية دورًا حاسمًا في هذه المعادلة المعقدة؛ تُبدي دول الخليج العربي مخاوف أمنية بالغة إزاء برنامج الصواريخ الإيراني ونفوذها الإقليمي، إلا أن استئناف العلاقات الدبلوماسية بين إيران والسعودية عام 2023، بوساطة صينية، أظهر أن دول المنطقة تسعى أيضًا إلى تخفيف حدة التوتر وفي المقابل، تُعقّد إسرائيل بيئة التفاوض بتهديداتها العسكرية المباشرة.
في السنوات الأخيرة، أشارت محادثات مسقط، بوساطة عُمانية، إلى استمرار الجهود الدبلوماسية؛ لكنّ الحشد العسكري الأمريكي المكثف في يناير/فبراير 2026، والذي شمل نشر أسطول حربي وطائرات مقاتلة متطورة وأنظمة دفاع صاروخي، قد حدّ بشكل كبير من هامش الدبلوماسية. ويشير هذا الحشد، إلى جانب التهديدات الصريحة وإخلاء بعض القواعد، إلى أن المنطقة تمر بأكثر مراحلها حساسية خلال العقود الأربعة الماضية.
أدت الضغوط الداخلية في كلا البلدين إلى تفاقم الوضع؛ ففي إيران، تسببت العقوبات الاقتصادية في تحديات معيشية خطيرة، ووضعت الحكومة أمام معضلة: من جهة ضرورة رفع العقوبات وتحسين الوضع الاقتصادي، ومن جهة أخرى مخاوف من تقديم تنازلات كبيرة في المفاوضات. وفي الولايات المتحدة أيضاً، أدى الاستقطاب السياسي والضغوط من مختلف الفصائل لتبني نهج متشدد أو مرن تجاه إيران إلى تعقيد عملية صنع القرار. ويمكن لهذه الأزمات الداخلية أن تؤثر بطريقتين: إما أن تدفع صناع القرار نحو اتفاق لتخفيف الضغوط، أو، على العكس، تدفعهم نحو موقف أكثر تشدداً لكسب التأييد الشعبي. وهذا الغموض يزيد من خطر سوء التقدير واتخاذ قرارات عاطفية.
ويمكن تفسير الموقف العسكري الأمريكي بطريقتين: أولاً، دبلوماسية قسرية، حيث تحاول واشنطن إجبار إيران على قبول اتفاق جديد من خلال استعراض القوة؛ ثانياً، استعدادات حقيقية لعمليات عسكرية. ويرى محللو الأمن أن خطر نشوب صراع محدود مرتفع حالياً، بينما يبقى احتمال اندلاع حرب شاملة متوسطاً إلى منخفض ومع ذلك، فإن نافذة الحوار تضيق بسرعة.
إذا اندلعت الحرب، ستتجاوز تداعياتها حدود البلدين؛ فإغلاق مضيق هرمز قد يُعطّل إمدادات الطاقة العالمية ويرفع أسعار النفط بشكل حاد. وقد يؤدي عدم الاستقرار الإقليمي إلى تفاقم الأوضاع في الدول المجاورة وخلق موجات جديدة من اللاجئين. كما أن الخسائر البشرية وتدمير البنية التحتية قد يُؤخران المنطقة لعقود.
وبناءً على الأدلة المتاحة، فإن آفاق العلاقات الثنائية تميل الآن نحو دبلوماسية محدودة وهشة أكثر من ميلها نحو حرب شاملة أو سلام دائم؛ وهذه الدبلوماسية محاولة لتجنب أسوأ السيناريوهات، وليست سعياً لتطبيع العلاقات. إلا أن هشاشة الوضع بلغت ذروتها، وأي خطأ في التقدير أو تصعيد مفاجئ قد يُخلّ بهذا التوازن الدقيق ويدفعه نحو الحرب.
ستُحدد القرارات في الأسابيع القليلة المقبلة ما إذا كانت المنطقة ستتجه نحو الحرب أم أن الدبلوماسية ستمنع كارثة أخرى؛ ولقد أثبتت التجارب التاريخية أنه عشية الأزمات الكبرى، كان الحوار دائماً الخيار الأمثل بدلاً من الحرب، لكن الضغوط الداخلية قد تدفع حتى أكثر صانعي القرار حكمةً نحو خيارات محفوفة بالمخاطر.

الآراء